الرئيسية   الفن بين الذات و الموضوع

الفن بين الذات و الموضوع

الفن بين الذات و الموضوع

استمر الفن التشكيلي عبر  عصور الفن المختلفة كلفة بصرية، تعتمد في الأساس على الطبيعة الخارجية كمصدر ومرجع للأفكار الفنية التشكيلية، وتقليد ثابت وموروث تقاس جودة الأعمال الفنية بالاقتراب منه، وتوصف بالضحالة كلما ابتعدت عنه، حتى إنه وصل لتقليد ونقل غاية في الدقة والإتقان لتفاصيل الموجودات، كما يظهر بوضوح في أعمال فناني ما قبل القرن العشرين من إبراز لأدق صغائر الأشياء الحياتية، مثل نسيج الأقمشة وتفاصيل الأرض والسقف وتجاعيد الوجه.

كانت الطبيعة هي الوحي الأول لأفكار اللوحات التشكيلية في تلك الفترة، وبخاصة قبل اختراع الكاميرات الفوتوغرافية، فكان فنان تلك العصور يعتقد بأن الحقيقة الفنية موجودة «خارج» كيانه الإنساني، فهو يبحث عنها ويكتشفها ويسجلها كحقيقة بصرية لا تخطئها العين.

وقد وصلت هذه الحقيقة إلى ذروتها في عصر النهضة الإيطالية فتكشفت قواعد المنظور و الظل و النور و ظهرت اللوحات الثلاثية الأبعاد فكانت أعمال فنية طغت عليها الحرفة و الإبداع و التقنية فأبعدت الفنان عن حريته التشكيلية و سجنته في قالب القواعد و الأصول و الألوان المحددة، فكان من الأفضل الالتزام بالمنهج الأكاديمي لإبراز الحقيقة البصرية الواقعية.

إن ريشة الفنان عندما تسجل الأشياء بالعين دون الوجدان فإنها حتماً تنتهي إلى مجرد عملية تسجيل تتفوق عليها الكاميرا و آلة السينما بلا منافس، و حيث أن الفنان هو في الأصل إنسان لديه مشاعر ووجدان وردود أفعال و مواقف متباينة، فقد أصبح يعتمد على ذاتيته و اعتبرها أساساً جديداً و منهلاً صادقاً في التعبير و الإبداع الفني، و بعد أن كانت اللوحة لقطة واقعية أصبحت فكرة انطباعية، و بعد أن كانت رؤية بصرية أصبحت رؤية وجدانية، و هذا ما يطلق عليه منطق (الإدراك الكلي)، و هذا المبدأ مطبق بوضوح في الفن المصري القديم و الفن الفارسي و الفن المكسيكي القديم، و قد بدأ الفن في القرن العشرين باعتناقه كمدخل لكشف الحقيقة الفنية من منظور جديد، لأن الفن توأم الروح، ولا يمكن فصل النظرة عن الرؤية الحسية للموضوع، فالحقيقة الفنية ذاتية وموضوعية في آن واحد، لأن الفن لو اقتصر على الذات دون الموضوع قد لا يستطيع المتلقي أن يدرك الرسالة الموجهة من المبدع، وقد يسبب ذلك نوع من الثرثرة و الغموض داخل عقل المتلقي، حيث أن رسالة الفنان لابد أن تنتقل في قوالب يعرفها الناس، و تمثل بين الجميع أرضية مشتركة ولغة واحدة.



عدد المشاهدات: 68



إنّ التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي موقع المؤسسة العربية للإعلان الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها



التعليقات:

إرسال تعليق:
الاسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
البلد:
تعليقك:
يرجى ادخال رمز التحقق (حالة الاحرف غير مهمة فيما اذا كانت احرف صغيرة أو كبيرة) وبعد الانتهاء انقر خارج مربع ادخال الكود للتاكد من صحته :
 [تحديث]






للأعلى